محمد بيومي مهران

50

دراسات تاريخية من القرآن الكريم

الآية يذكر اللّه تعالى عن عبده ورسوله داود عليه الصلاة والسلام أنه كان ذا أيد ، والأيد : القوة في العلم والعمل ، قال ابن عباس : الأيد القوة ، وقال مجاهد : الأيد القوة في الطاعة ، وقال قتادة : أعطى داود عليه السلام قوة في العبادة وفقها في الإسلام ، وقد ذكر لنا أنه عليه السلام كان يقوم ثلث الليل ، ويصوم نصف الدهر ، وهذا ثابت في الصحيحين عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « أحب الصلاة إلى اللّه تعالى صلاة داود ، وأحب الصيام إلى اللّه عز وجل صيام داود ، كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه ، وكان يصوم يوما ويفطر يوما ، ولا يفر إذا لاقى » ، وإنه كان أوابا ، وهو الرجاع إلى اللّه عز وجل في جميع أموره وشؤونه « 1 » . وانطلاقا من كل هذا ، فالقصة التوراتية وما سار على نهجها من قصص ، عن علاقة داود عليه السلام ، بزوجة « أوريا » الحشي ، لا يتصور صدق وقائعها من رجل عادي ذي خلق ، وفضلا عن نبي كريم ورسول جليل ، ومن هنا فقد أخطأ بعض المفسرين خطأ كبيرا ، إذ فسروا ما جاء في سورة ص عن الخصمين اللذين اختصما إليه على نحو قريب مما جاء في التوراة « 2 » ، مع أن العبارة التي ذكرت بها القصة في القرآن لا تدل على شيء من ذلك ، ومن هنا فقد ختمت هذه الآيات الكريمة بقوله تعالى : وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ ، وبدهي أنه لا يمكن أن تكون الزلفى وحسن المآب للزناة القتلة ، ومن هنا رأينا السّدى يروي عن سيدنا الإمام علي بن أبي طالب ، كرم اللّه وجهه في الجنة ، أنه قال : « لو سمعت رجلا يذكر أن داود عليه السلام قارف من تلك المرأة محرما لجلدته ستين ومائة » ، لأن حد قاذف الناس ثمانون ، وحد قاذف الأنبياء ستون ومائة ، وفي رواية النسفي

--> ( 1 ) تفسير ابن كثير 4 / 45 - 46 ، تفسير النسفي 4 / 36 . ( 2 ) انظر : تفسير مقاتل 3 / 1266 - 1268 .